محمد بن جرير الطبري
63
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
أحدا بظنه قد وضعها الله عنه بالتوبة ، ولا بحدث كان منه في حرب اعقبه الله منها سلما ستر به عن ذي غله ، وحجز به عن محنه ما في الصدور ، وليس ييأس أمير المؤمنين لأحد ولا لنفسه من الله من اقبال مدبر ، كما أنه لا يامن ادبار مقبل إن شاء الله والسلام . وذكر عن عباس بن الفضل ، قال : حدثني يحيى بن سليم كاتب الفضل بن الربيع ، قال : لم ير في دار المنصور لهو قط ، ولا شيء يشبه اللهو واللعب والعبث الا يوما واحدا ، فانا رأينا ابنا له يقال له عبد العزيز أخا سليمان وعيسى ابني أبى جعفر من الطلحيه ، توفى وهو حدث ، قد خرج على الناس متنكبا قوسا ، متعمما بعمامة ، مترديا ببرد ، في هيئة غلام اعرابى ، راكبا على قعود بين جوالقين ، فيهما مقل ونعال ومساويك وما يهديه الاعراب ، فعجب الناس من ذلك وأنكروه قال : فمضى الغلام حتى عبر الجسر ، واتى المهدى بالرصافة فاهدى اليه ذلك ، فقبل المهدى ما في الجواليق وملاهما دراهم ، فانصرف بين الجوالقين ، فعلم أنه ضرب من عبث الملوك . وذكر عن حماد التركي ، قال : كنت واقفا على راس المنصور ، فسمع جلبه في الدار ، فقال : ما هذا يا حماد ؟ انظر ، فذهبت فإذا خادم له قد جلس بين الجواري ، وهو يضرب لهن بالطنبور ، وهن يضحكن ، فجئت فأخبرته ، فقال : واى شيء الطنبور ؟ فقلت : خشبة من حالها وامرها . ووصفتها له ، فقال لي : أصبت صفته ، فما يدريك أنت ما الطنبور ! قلت : رايته بخراسان ، قال : نعم هناك ، ثم قال : هات نعلى ، فأتيته بها فقام يمشى رويدا حتى اشرف عليهم فرآهم ، فلما بصروا به تفرقوا ، فقال : خذوه ، فاخذ ، فقال : اضرب به رأسه ، فلم أزل اضرب به رأسه حتى كسرته ، ثم قال : اخرجه من قصرى ، واذهب به إلى حمران بالكرخ ، وقل له يبيعه . وذكر العباس بن الفضل عن سلام الأبرش ، قال : كنت وانا وصيف وغلام آخر نخدم المنصور داخلا في منزله ، وكانت له حجره فيها بيت وفسطاط وفراش ولحاف يخلو فيه ، وكان من أحسن الناس خلقا ما لم يخرج